القرطبي
265
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال . رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ) فيه تسع عشرة مسألة : الأولى - قوله تعالى : ( في بيوت أذن الله أن ترفع ) الباء في " بيوت " تضم وتكسر ، وقد تقدم ( 1 ) . واختلف في الفاء من قوله : " في " فقيل : هي متعلقة ب " مصباح " . وقيل : ب " يسبح له " ، فعلى هذا التأويل يوقف على " عليم " . قال ابن الأنباري : سمعت أبا العباس يقول هو حال للمصباح والزجاجة والكوكب ، كأنه قال وهي في بيوت . وقال الترمذي الحكيم محمد بن علي : " في بيوت " منفصل ، كأنه يقول : الله في بيوت أذن الله أن ترفع ، وبذلك جاءت الاخبار أنه ( من جلس في المسجد فإنه يجالس ربه ) . وكذا ما جاء في الخبر فيما يحكى عن التوراة ( أن المؤمن إذا مشى إلى المسجد قال الله تبارك اسمه عبدي زارني وعلى قراه ولن أرضى له قرى دون الجنة ) . قال ابن الأنباري : إن جعلت " في " متعلقة ب " - يسبح " أو رافعة للرجال حسن الوقف على قوله " والله بكل شئ عليم " [ البقرة : 282 ] . وقال الرماني : هي متعلقة ب " يوقد " وعليه فلا يوقف على " عليم " . فإن قيل : فما الوجه إذا كان البيوت متعلقة ب " يوقد " في توحيد المصباح والمشكاة وجمع البيوت ؟ ولا يكون مشكاة واحدة إلا في بيت واحد . قيل : هذا من الخطاب المتلون الذي يفتح : بالتوحيد ويختم بالجمع ، كقوله تعالى : " يا أيها النبي إذا طلقتم النساء " ( 2 ) [ الطلاق : 1 ] ونحوه . وقيل : رجع إلى كل واحد من البيوت . وقيل : هو كقوله تعالى : " وجعل القمر فيهن نورا " ( 2 ) [ نوح : 16 ] وإنما هو في واحدة منها . واختلف الناس في البيوت هنا على خمسة أقوال : الأول - أنها المساجد المخصوصة لله تعالى بالعبادة ، وأنها تضئ لأهل السماء كما تضئ النجوم لأهل الأرض ، قاله ابن عباس ومجاهد والحسن . الثاني - هي بيوت بيت المقدس ، عن الحسن أيضا . الثالث - بيوت النبي صلى الله عليه وسلم ، عن مجاهد أيضا . الرابع - هي البيوت كلها ، قاله عكرمة . وقوله : " يسبح له فيها بالغدو والآصال " يقوي أنها المساجد . وقول خامس - أنها المساجد الأربعة التي
--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 346 . ( 2 ) راجع ج 18 ص 147 فما بعد وص 304 .